عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
156
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
للناس في الجامع بالغداة ، فانتشر في الناس أن الجنيد قعد يتكلم على الناس ، فوقف عليه غلام نصراني متنكر وقال : أيها الشيخ ما معنى قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه تبارك وتعالى » ؟ فأطرق الجنيد رأسه ثم رفعه ، فقال : أسلم ، فقد حان وقت إسلامك ، فأسلم الغلام وقطع الزنار وتاب اللّه عليه ، اللهم تب علينا يا كريم . ( الحكاية الثالثة والثلاثون بعد المئة عن الشبلي ) حكى عن الشبلي رضي اللّه عنه ، أنه خرج ذات يوم على أصحابه ، وكانوا أربعين رجلا ، فقال لهم : يا قوم إن اللّه تبارك وتعالى قد تكفل بأرزاق العباد ، فقال عز من قائل ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) فتوكلوا على اللّه عز وجل وتوجهوا إليه ولا تتوجهوا إلى سواه ، ثم تركهم ومضى ، فأقاموا ثلاثة أيام لم يفتح عليهم بشئ ؛ فلما كان في اليوم الرابع دخل عليهم الشيخ ، فقال يا قوم ، إن اللّه تبارك وتعالى قد أباح السبب للعباد ، فقال : عز من قائل ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ) فانظروا إلى أصدقكم نية ، فليخرج عسى أن يأتيكم بشئ من القوت ، فاختاروا واحدا منهم فقيرا ، فخرج يمشى في جانبي بغداد ، فلم يفتح له بشئ من القوت ، فأخذه الجوع وأعياه المشي ، فجلس عند دكان طبيب نصراني ، عليه من الناس خلق كثير ، وهو يصف لهم الأدوية ، فنظر إلى الفقير فقال : ما بك وما علتك ؟ فكره أن يشكو الجوع إلى نصراني ، فمد يده فجسها ، فقال : علتك هذه أنا أعرفها وأعرف دواءها ، ثم التفت إلى غلامه فقال له : امض إلى السوق فائتني برطل خبز ورطل شواء ورطل حلواء ، فمضى الغلام إلى السوق وأتاه بذلك ، فأخذه النصراني وناوله الفقير ، وقال له : هذا دواء مرضك عندي ، فقال له الفقير : إن كنت صادقا في حكمتك فهذه العلة بأربعين رجلا ، فقال النصراني لغلامه : ارجع إلى السوق مسرعا وائتني بأربعين رطلا مثلما أتيتني به ، فأسرع الغلام فأتى بذلك جميعه ، فأعطاه الفقير وأمر حمالا أن يحمله معه إلى موضعه ، وقال للفقير : اذهب به إلى الفقراء الأربعين الذين ذكرت ، فذهب الفقير والحمال معه إلى أن وصل إلى أصحابه ، والنصراني يتبعه من بعيد ليختبر صدقه ؛ فلما دخل الدويرة التي فيها أصحابه ، وقف